فصل: أَمْ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الإتقان في علوم القرآن (نسخة منقحة)



.إِلَى:

إِلَى حَرْفُ جَرٍّ لَهُ مَعَانٍ:
أَشْهَرُهَا: انْتِهَاءُ الْغَايَةِ زَمَانًا، نَحْوَ: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [الْبَقَرَة: 187]. أَوْ مَكَانًا، نَحْوَ: {إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} [الْإِسْرَاء: 1]:
أَوْ غَيْرَهُمَا، نَحْوَ: {وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ} [النَّمْل: 33]، أَيْ: مُنْتَهٍ إِلَيْكِ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهَا الْأَكْثَرُونَ غَيْرَ هَذَا الْمَعْنَى.
وَزَادَ ابْنُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُ تَبَعًا لِلْكُوفِيِّينَ مَعَانِيَ أُخَرَ:
مِنْهَا الْمَعِيَّةُ: وَذَلِكَ إِذَا ضَمَمْتَ شَيْئًا إِلَى آخَرَ فِي الْحُكْمِ بِهِ أَوْ عَلَيْهِ أَوِ التَّعَلُّقِ، نَحْوَ: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} [آلِ عِمْرَانَ: 52]، {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [الْمَائِدَة: 6]، {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النِّسَاء: 2].
قَالَ الرَّضِيُّ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا لِلِانْتِهَاءِ، أَيْ: مُضَافَةٌ إِلَى الْمَرَافِقِ، وَإِلَى أَمْوَالِكُمْ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ مُئَوَّلٌ عَلَى تَضْمِينِ الْعَامِلِ وَإِبْقَاءِ (إِلَى) عَلَى أَصْلِهَا، وَالْمَعْنَى فِي الْآيَةِ الْأُولَى: مَنْ يُضِيفُ نُصْرَتَهُ إِلَى نُصْرَةِ اللَّهِ؟ أَوْ مَنْ يَنْصُرُنِي حَالَ كَوْنِي ذَاهِبًا إِلَى اللَّهِ.
وَمِنْهَا: الظَّرْفِيَّةُ كَفِي، نَحْوَ: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [النِّسَاء: 87]، أَيْ: فِيهِ، {هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى} [النَّازِعَات: 18]، أَيْ: فِي أَنْ.
وَمِنْهَا: مُرَادَفَةُ اللَّامِ، وَجُعِلَ مِنْهُ: {وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ} أَيْ: لَكِ. وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ مِنَ الِانْتِهَاءِ.
وَمِنْهَا: التَّبْيِينُ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَهِيَ الْمُبَيِّنَةُ لِفَاعِلِيَّةِ مَجْرُورِهَا بَعْدَمَا يُفِيدُ حُبًّا أَوْ بُغْضًا، مِنْ فِعْلِ تَعَجُّبٍ أَوِ اسْمِ تَفْضِيلٍ، نَحْوَ: {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ} [يُوسُفَ: 33].
وَمِنْهَا: التَّوْكِيدُ، وَهِيَ الزَّائِدَةُ، نَحْوَ: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} [إِبْرَاهِيمَ: 37] فِي قِرَاءَةِ بَعْضِهِمْ بِفَتْحِ الْوَاوِ، أَيْ: تَهْوَاهُمْ. قَالَهُ الْفَرَّاءُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ عَلَى تَضْمِينِ (تَهْوَى) مَعْنَى (تَمِيلُ).
تَنْبِيهٌ:
حَكَى ابْنُ عُصْفُورٍ فِي شَرْحِ أَبْيَاتِ الْإِيضَاحِ عَنِ ابْنِ الْأَنْبَارِيّ: أَنَّ (إِلَى) تُسْتَعْمَلُ اسْمًا، فَيُقَالُ: انْصَرَفْتُ مِنْ إِلَيْكَ، كَمَا يُقَالُ: غَدَوْتُ مِنْ عَلَيْهِ. وَخَرَّجَ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} [مَرْيَمَ: 25] وَبِهِ يَنْدَفِعُ إِشْكَالُ أَبِي حَيَّانَ فِيه: بِأَنَّ الْقَاعِدَةَ الْمَشْهُورَةَ أَنَّ الْفِعْلَ لَا يَتَعَدَّى إِلَى ضَمِيرٍ يَتَّصِلُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِالْحَرْفِ، وَقَدْ رُفِعَ الْمُتَّصِلُ، وَهُمَا لِمَدْلُولٍ وَاحِدٍ، فِي غَيْرِ بَابِ ظَنَّ.

.اللَّهُمَّ:

اللَّهُمَّ: الْمَشْهُورُ أَنَّ مَعْنَاهُ يَا اللَّهُ، حُذِفَتْ يَاءُ النِّدَاءِ، وَعُوِّضَ عَنْهَا الْمِيمُ الْمُشَدَّدَةُ فِي آخِرِهِ.
وَقِيلَ: أَصْلُهُ يَا أَللَّهُ أُمَّنَا بِخَيْرٍ، فَرُكِّبَ تَرْكِيبَ حَيَّهَلَا.
وَقَالَ أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ: الْمِيمُ فِيهَا تَجْمَعُ سَبْعِينَ اسْمًا مِنْ أَسْمَائِهِ.
وَقَالَ ابْنُ ظَفَرٍ: قِيلَ: إِنَّهَا الِاسْمُ الْأَعْظَمُ، وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ: بِأَنَّ اللَّهَ دَالٌّ عَلَى الذَّاتِ، وَالْمِيمَ دَالَّةٌ عَلَى الصِّفَاتِ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ، وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: اللَّهُمَّ: تَجْمَعُ الدُّعَاءَ.
وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: مَنْ قَالَ اللَّهُمَّ فَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ.

.أَمْ:

أَمْ: حَرْفُ عَطْفٍ، وَهِيَ نَوْعَان:
مُتَّصِلَةٌ، وَهِيَ قِسْمَان:
الْأَوَّلُ: أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهَا هَمْزَةُ التَّسْوِيَةِ، نَحْوَ: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} [الْبَقَرَة: 6]، {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا} [إِبْرَاهِيمَ: 21]، {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [الْمُنَافِقُونَ: 6].
وَالثَّانِي: أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهَا هَمْزَةٌ يُطْلَبُ بِهَا وَبِأَمِ التَّعْيِينُ، نَحْوَ: {آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ} [الْأَنْعَام: 144].
وَسُمِّيَتْ فِي الْقِسْمَيْنِ مُتَّصِلَةً؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا لَا يُسْتَغْنَى بِأَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ، وَتُسَمَّى أَيْضًا مُعَادِلَةً، لِمُعَادَلَتِهَا لِلْهَمْزَة: فِي إِفَادَةِ التَّسْوِيَةِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَالِاسْتِفْهَامِ فِي الثَّانِي.
وَيَفْتَرِقُ الْقِسْمَانِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا وَثَانِيهَا: أَنَّ الْوَاقِعَةَ بَعْدَ هَمْزَةِ التَّسْوِيَةِ لَا تَسْتَحِقُّ جَوَابًا؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى مَعَهَا لَيْسَ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، وَأَنَّ الْكَلَامَ مَعَهَا قَابِلٌ لِلتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ، وَلَيْسَتْ تِلْكَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ مِنْهَا عَلَى حَقِيقَتِهِ.
وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْوَاقِعَةَ بَعْدَ هَمْزَةِ التَّسْوِيَةِ لَا تَقَعُ إِلَّا بَيْنَ جُمْلَتَيْنِ، وَلَا تَكُونُ الْجُمْلَتَانِ مَعَهَا إِلَّا فِي تَأْوِيلِ الْمُفْرَدَيْنِ، وَتَكُونُ الْجُمْلَتَان: فِعْلِيَّتَيْنِ، وَاسْمِيَّتَيْنِ، وَمُخْتَلِفَتَيْنِ، نَحْوَ: {سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ} [الْأَعْرَاف: 193]، وَأَمِ الْأُخْرَى تَقَعُ بَيْنَ الْمُفْرَدَيْنِ، وَهُوَ الْغَالِبُ فِيهَا، نَحْوَ: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ} [النَّازِعَات: 27] وَبَيْنَ جُمْلَتَيْنِ لَيْسَا فِي تَأْوِيلِهِمَا.
النَّوْعُ الثَّانِي: مُنْقَطِعَةٌ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
مَسْبُوقَةٌ بِالْخَبَرِ الْمَحْضِ، نَحْوَ: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} [السَّجْدَة: 2- 3].
وَمَسْبُوقَةٌ بِالْهَمْزَةِ لِغَيْرِ الِاسْتِفْهَامِ، نَحْوَ: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا} [الْأَعْرَاف: 195]، إِذِ الْهَمْزَةُ فِي ذَلِكَ لِلْإِنْكَارِ، فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ النَّفْيِ، وَالْمُتَّصِلَةُ لَا تَقَعُ بَعْدَهُ.
وَمَسْبُوقَةٌ بِاسْتِفْهَامٍ بِغَيْرِ الْهَمْزَةِ، نَحْوَ: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ} [الرَّعْد: 16].
وَمَعْنَى أَمِ الْمُنْقَطِعَةِ- الَّذِي لَا يُفَارِقُهَا الْإِضْرَابُ- ثُمَّ تَارَةً تَكُونُ لَهُ مُجَرَّدًا، وَتَارَةً تَضَمَّنُ مَعَ ذَلِكَ اسْتِفْهَامًا إِنْكَارِيًّا.
فَمِنَ الْأَوَّل: {أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ} [الرَّعْد: 16]؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الِاسْتِفْهَامُ عَلَى اسْتِفْهَامٍ.
وَمِنَ الثَّانِي: {أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ} [الطُّور: 39] تَقْدِيرُهُ: بَلْ أَلَهُ الْبَنَاتُ؟ إِذْ لَوْ قَدَّرْتَ الْإِضْرَابَ الْمَحْضَ لَزِمَ الْمُحَالُ.
تَنْبِيهَان:
الْأَوَّلُ: قَدْ تَرِدُ (أَمْ) مُحْتَمِلَةً لِلِاتِّصَالِ وَلِلِانْقِطَاعِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الْبَقَرَة: 80] قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ فِي أَمْ أَنْ تَكُونَ مُعَادِلَةً، بِمَعْنَى: أَيُّ الْأَمْرَيْنِ كَائِنٌ عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِكَوْنِ أَحَدِهِمَا، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً.
الثَّانِي: ذَكَرَ أَبُو زَيْدٍ، أَنَّ (أَمْ) تَقَعُ زَائِدَةً، وَخَرَّجَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: {أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ} [الزُّخْرُف: 51- 52] قَالَ: التَّقْدِيرُ: أَفَلَا يُبْصِرُونَ أَنَا خَيْرٌ.

.أَمَّا:

أَمَّا: بِالْفَتْحِ وَالتَّشْدِيدِ، حَرْفُ شَرْطٍ وَتَفْصِيلٍ وَتَوْكِيدٍ.
أَمَّا كَوْنُهَا حَرْفَ شَرْطٍ: فَبِدَلِيلِ لُزُومِ الْفَاءِ بَعْدَهَا، نَحْوَ: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ} [الْبَقَرَة: 26]. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ} [آلِ عِمْرَانَ: 106]. فَعَلَى تَقْدِيرِ الْقَوْلِ، أَيْ: فَيُقَالُ لَهُمْ: أَكَفَرْتُمْ فَحُذِفَ الْقَوْلُ اسْتِغْنَاءً عَنْهُ بِالْمَقُولِ، فَتَبِعَتْهُ الْفَاءُ فِي الْحَذْفِ. وَكَذَا قَوْلُهُ: {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ} [الْجَاثِيَة: 31].
وَأَمَّا التَّفْصِيلُ: فَهُوَ غَالِبُ أَحْوَالِهَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَقَوْلِه: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} [الْكَهْف: 79]، {وَأَمَّا الْغُلَامُ} [الْكَهْف: 80]، {وَأَمَّا الْجِدَارُ} [الْكَهْف: 82].
وَقَدْ يُتْرَكُ تَكْرَارُهَا اسْتِغْنَاءً بِأَحَدِ الْقِسْمَيْنِ عَنِ الْآخَرِ، وَسَيَأْتِي فِي أَنْوَاعِ الْحَذْفِ.
وَأَمَّا التَّوْكِيدُ: فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَائِدَةُ أَمَّا فِي الْكَلَامِ أَنْ تُعْطِيَهُ فَضْلَ تَوْكِيدٍ، تَقُولُ: زَيْدٌ ذَاهِبٌ، فَإِذَا قَصَدْتَ تَوْكِيدَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا مَحَالَةَ ذَاهِبٌ، وَأَنَّهُ بِصَدَدِ الذَّهَابِ، وَأَنَّهُ مِنْهُ عَزِيمَةٌ، قُلْتُ: أَمَّا زَيْدٌ فَذَاهِبٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ سِيبَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِه: مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فَزَيْدٌ ذَاهِبٌ.
وَيُفْصَلُ بَيْنَ أَمَّا وَالْفَاء: إِمَّا بِمُبْتَدَإٍ كَالْآيَاتِ السَّابِقَةِ أَوْ خَبَرٍ، نَحْوَ: أَمَّا فِي الدَّارِ فَزَيْدٌ. أَوْ جُمْلَةِ شَرْطٍ، نَحْوَ: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ} [الْوَاقِعَة: 88- 89] الْآيَاتِ. أَوِ اسْمٍ مَنْصُوبٍ بِالْجَوَابِ نَحْوَ: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ} [الضُّحَى: 9]. أَوِ اسْمِ مَعْمُولٍ لِمَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَ الْفَاءِ، نَحْوَ: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} [فُصِّلَتْ: 17] فِي قِرَاءَةِ بَعْضِهِمْ بِالنَّصْبِ.
تَنْبِيهٌ:
لَيْسَ مِنْ أَقْسَامِ (أَمَّا) الَّتِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النَّمْل: 84]، بَلْ هِيَ كَلِمَتَان: أَمِ الْمُنْقَطِعَةُ، وَمَا الِاسْتِفْهَامِيَّةُ.

.إِمَّا:

إِمَّا: بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيدِ، تَرِدُ لِمَعَانٍ:
الْإِبْهَامُ نَحْوَ: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} [التَّوْبَة: 106].
وَالتَّخْيِيرُ، نَحْوَ: {إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا} [الْكَهْف: 86]. {إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى} [طه: 65]، {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [مُحَمَّدٍ: 4].
وَالتَّفْصِيلُ، نَحْوَ: {إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الْإِنْسَان: 3].
تَنْبِيهَاتٌ:
الْأَوَّلُ: لَا خِلَافَ أَنَّ (إِمَّا) الْأُولَى فِي هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ وَنَحْوِهَا غَيْرُ عَاطِفَةٍ، وَاخْتُلِفَ فِي الثَّانِيَةِ، فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهَا عَاطِفَةٌ، وَأَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ مَالِكٍ لِمُلَازَمَتِهَا غَالِبًا الْوَاوَ الْعَاطِفَةَ. وَادَّعَى ابْنُ عُصْفُورٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: وَإِنَّمَا ذَكَرُوهَا فِي بَابِ الْعَطْفِ لِمُصَاحَبَتِهَا لِحَرْفِهِ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا عَطَفَتِ الِاسْمَ عَلَى الِاسْمِ، وَالْوَاوُ عَطَفَتْ إِمَّا عَلَى إِمَّا، وَهُوَ غَرِيبٌ.
الثَّانِي: سَيَأْتِي أَنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ لِـ: (أَوْ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ (إِمَّا) أَنَّ (إِمَّا) يُبْنَى الْكَلَامُ مَعَهَا مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ عَلَى مَا جِيءَ بِهَا لِأَجْلِهِ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ تَكْرَارُهَا وَ(أَوْ) يُفْتَتَحُ الْكَلَامُ مَعَهَا عَلَى الْجَزْمِ، ثُمَّ يَطْرَأُ الْإِبْهَامُ أَوْ غَيْرُهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَتَكَرَّرْ.
الثَّالِثُ: لَيْسَ مِنْ أَقْسَامِ (إِمَّا) الَّتِي فِي قَوْلِه: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا} [مَرْيَمَ: 26] بَلْ هِيَ كَلِمَتَان: (إِنَّ) الشَّرْطِيَّةُ وَمَا الزَّائِدَةُ.

.إِنْ:

إِنْ: بِالْكَسْرِ وَالتَّخْفِيفِ، عَلَى أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، نَحْوَ: {إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الْأَنْفَال: 38]، {وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ} [الْأَنْفَال: 38]، وَإِذَا دَخَلَتْ عَلَى (لَمْ) فَالْجَزْمُ بِلَمْ لَا بِهَا. نَحْوَ: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا} [الْبَقَرَة: 24]، أَوْ عَلَى لَا، فَالْجَزْمُ بِهَا لَا بِلَا، نَحْوَ: {وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي} [هُودٍ: 47]، {إِلَّا تَنْصُرُوهُ} [التَّوْبَة: 40]. وَالْفَرْقُ أَنَّ (لَمْ) عَامِلٌ يَلْزَمُ مَعْمُولَهُ وَلَا يُفْصَلُ بَيْنَهُمَا بِشَيْءٍ، وَ(إِنْ) يَجُوزُ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مَعْمُولِهَا بِمَعْمُولِهِ، وَ(لَا) لَا تَعْمَلُ الْجَزْمَ إِذَا كَانَتْ نَافِيَةً، فَأُضِيفَ الْعَمَلُ إِلَى إِنْ.
الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ نَافِيَةً، وَتَدْخُلُ عَلَى الِاسْمِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ، نَحْوَ: {إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ} [الْمُلْك: 20]، {إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ} [الْمُجَادَلَة: 2]، {إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى} [التَّوْبَة: 107]، {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا} [النِّسَاء: 117].
قِيلَ: وَلَا تَقَعُ إِلَّا وَبَعْدَهَا (إِلَّا) كَمَا تَقَدَّمَ، أَوْ لَمَّا الْمُشَدَّدَةُ، نَحْوَ: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطَّارِق: 4]، فِي قِرَاءَةِ التَّشْدِيدِ، وَرُدَّ بِقَوْلِه: {إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا} [يُونُسَ: 68]، {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ} [الْأَنْبِيَاء: 111].
وَمِمَّا حُمِلَ عَلَى النَّافِيَةِ قَوْلُهُ: {إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ} [الْأَنْبِيَاء: 17]. {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ} [الزُّخْرُف: 81]، وَعَلَى هَذَا فَالْوَقْفُ هُنَا. {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ} [الْأَحْقَاف: 26]، أَيْ: فِي الَّذِي مَا مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ. وَقِيلَ: هِيَ زَائِدَةٌ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ: {مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ} [الْأَنْعَام: 6]، وَعَدَلَ عَنْ (مَا) لِئَلَّا تَتَكَرَّرَ فَيَثْقُلَ اللَّفْظُ.
قُلْتُ: وَكَوْنُهَا لِلنَّفْيِ هُوَ الْوَارِدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَوْعِ الْغَرِيبِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ.
وَقَدِ اجْتَمَعَتِ الشَّرْطِيَّةُ وَالنَّافِيَةُ فِي قَوْلِه: {وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ} [فَاطِرٍ: 41].
وَإِذَا دَخَلَتِ النَّافِيَةُ عَلَى الِاسْمِيَّةِ لَمْ تَعْمَلْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَأَجَازَ الْكِسَائِيُّ وَالْمُبَرِّدُ إِعْمَالَهَا عَمَلَ لَيْسَ، وَخَرَّجَ عَلَيْهِ قِرَاءَةَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: {إِنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادًا أَمْثَالَكُمْ}.
فَائِدَةٌ:
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ (إِنْ) فَهُوَ إِنْكَارٌ.
الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، فَتَدْخُلُ عَلَى الْجُمْلَتَيْن:
ثُمَّ الْأَكْثَرُ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى الِاسْمِيَّةِ إِهْمَالُهَا، نَحْوَ: {وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الزُّخْرُف: 35]. {وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} [يس: 32]. {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} [طه: 63]، فِي قِرَاءَةِ حَفْصٍ وَابْنِ كَثِيرٍ.
وَقَدْ تَعْمَلُ، نَحْوَ: {وَإِنْ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ} [هُودٍ: 111] فِي قِرَاءَةِ الْحَرَمِيَّيْنِ.
وَإِذَا دَخَلَتْ عَلَى الْفِعْلِ، فَالْأَكْثَرُ كَوْنُهُ مَاضِيًا نَاسِخًا، نَحْوَ: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً} [الْبَقَرَة: 143]، {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الْإِسْرَاء: 73]، {وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} [الْأَعْرَاف: 102]. وَدُونَهُ أَنْ يَكُونَ مُضَارِعًا نَاسِخًا، نَحْوَ: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ} [الْقَلَم: 51]، {وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} [الشُّعَرَاء: 186].
وَحَيْثُ وَجَدْتَ (إِنْ) وَبَعْدَهَا (اللَّامُ الْمَفْتُوحَةُ) فَهِيَ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ.
الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً، وَخُرِّجَ عَلَيْه: {فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ} [الْأَحْقَاف: 26].
الْخَامِسُ: أَنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ كَإِذْ، قَالَهُ الْكُوفِيُّونَ. وَخَرَّجُوا عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الْمَائِدَة: 57]. {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [الْفَتْح: 27].
{وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آلِ عِمْرَانَ: 139]. وَنَحْوَ ذَلِكَ، مِمَّا الْفِعْلُ فِيهِ مُحَقَّقُ الْوُقُوعِ.
وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ آيَةِ الْمَشِيئَة: بِأَنَّهُ تَعْلِيمٌ لِلْعِبَادِ كَيْفَ يَتَكَلَّمُونَ إِذَا أَخْبَرُوا عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ، أَوْ بِأَنَّ أَصْلَ ذَلِكَ الشَّرْطُ، ثُمَّ صَارَ يُذْكَرُ لِلتَّبَرُّكِ، أَوْ أَنَّ الْمَعْنَى: لَتَدْخُلُنَّ جَمِيعًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَلَّا يَمُوتَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَبْلَ الدُّخُولِ. وَعَنْ سَائِرِ الْآيَاتِ بِأَنَّهُ شَرْطٌ جِيءَ بِهِ لِلتَّهْيِيجِ وَالْإِلْهَابِ، كَمَا تَقُولُ لِابْنِكَ: إِنْ كُنْتَ ابْنِي فَأَطِعْنِي.
السَّادِسُ: أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى قَدْ، ذَكَرَهُ قُطْرُبٌ، وَخَرَّجَ عَلَيْه: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} [الْأَعْلَى: 9]. أَيْ قَدْ نَفَعَتْ، وَلَا يَصِحُّ مَعْنَى الشَّرْطِ فِيهِ، لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّذْكِيرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: هِيَ لِلشَّرْطِ، وَمَعْنَاهُ: ذَمُّهُمْ وَاسْتِبْعَادٌ لِنَفْعِ التَّذْكِيرِ فِيهِمْ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَإِنْ لَمْ تَنْفَعْ، عَلَى حَدِّ قَوْلِه: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النَّحْل: 81].
فَائِدَةٌ:
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ (إِنْ) بِصِيغَةِ الشَّرْطِ، وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ، فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ:
{وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النُّور: 33]. {وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [النَّحْل: 114]. {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ} [الْبَقَرَة: 283]. {إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ} [الطَّلَاق: 4]. {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ} [النِّسَاء: 101]. {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [الْبَقَرَة: 228].